إذا سألت أي طالب في كلية إعلام قسم صحافة في مصر ما هو حلمك أو هدفك بعد التخرج سوف يجاوب بكل سذاجة أنه يريد بعد التخرج الالتحاق بنقابة الصحفيين ويكون من أحد أعضاء هذه النقابة المرموقة التي لها قدر عالٍ من الاحترام والتقدير وسط المجتمع المصري أو من السلطات المصرية بسبب دفاعها دوماً عن حقوق المجتمع والمهمشين وهي حلقة الوصل بين السلطة والمجتمع.. طبعاً عزيزي القارئ تعتقد أن الأمر سهل وفي المنال لأي خريج كليات الإعلام في مصر أن يلتحق بنقابة الصحفيين مثلما يلتحق خريجو كليات الطب بنقابة الأطباء وخريجو الهندسة بنقابة المهندسين، ولكن عزيزي القارئ اعذرني في قولي هذا.. كم أنت ساذج عزيزي القارئ إن الأمر أشبه بمعركة إثبات نسب الأبناء عندما ينكر الأب الأبناء الذين أتى بهم من فراش الزوجية..

عضوية نقابة الصحفيين

عندما تقوم بالاطلاع على شروط القيد في نقابة الصحفيين تجد الشروط في ظاهرها سهلة وفي التحقيق، ولكن في الحقيقة تجد معظمها أفخاخ، أشهر فخ هو أن الصحفي الذي يريد القيد عليه العمل في إحدى المؤسسات الصحفية المعترف بها من النقابة بعقد مع المؤسسة تلك، وأيضاً يكون له أرشيف صحفي، ويقوم رئيس التحرير بترشيحه للنقابة، هنا تأتي المعضلة الصعبة، المعضلة الأولى أن يكون يعمل في مؤسسة صحفية معترف بها من النقابة.. المؤسسات المقصودة هي المؤسسات التي لها جورنال ورقي بجانب الإلكتروني وأن تكون مكودة بالنسبة للنقابة، ومعظم المؤسسات الصحفية بداية من الصحف القومية مثل الأهرام أو الجمهورية أو أخبار اليوم تقول لك العبارة الشهيرة

“نحن لا نوظف أحد الآن منذ ثورة يناير”،

وكذلك الصحف الحزبية، أما الصحف الخاصة فالتعيين بها صعب جداً جداً، فلا يبقى أمام الصحفي المتخرج إلا المواقع الصحفية الإلكترونية، والنقابة تشترط أن يكون للصحيفة جورنال ورقي ويجب أن يكون له أرشيف ورقي، وإذا قرر الصحفي أن يتخلى عن حلمه في عضوية النقابة وقرر العيش مع الصحافة بعيداً عن حلم العضوية يجد المشكلة الكبرى أن المواقع تستغل الصحفي الجديد، أولاً لا تعطي راتباً يكفي للحياة الآدمية، بل حتى لا تعطي راتباً يكفي لتغطية التنقلات الميدانية للتغطية الصحفية، تجد تلك المواقع التي بالمناسبة مواقع كبيرة في عالمها والدولة في عالم آخر، بمعنى عندما تقوم الدولة برفع الحد الأدنى للأجور لا تقوم المؤسسات الصحفية بتنفيذ هذا القرار، مستغلة شيئين: الأول بحجة أننا ليس لدينا ميزانية لذلك وأن مهنة الصحافة والمؤسسات الصحفية تعاني من التمويل، والحجة القانونية أنها لا تقوم بعمل عقود مع الصحفيين الجدد وتماطل ولا تفعل ذلك.

الفساد في عالم الصحافة

حرفياً عالم الصحافة في مصر يعاني من كم كبير من الفساد الممنهج الذي يسيطر على عدد كبير من المؤسسات الصحفية في مصر، وطبعاً نحن لم نتطرق إلى مشكلة أكبر التي تعيق مسيرة الصحفيين الجدد في الحصول على فرص عمل حقيقية وعضوية النقابة، هم صحفيو السبوبة أو بمعنى أصح الصحفيون الذين لم يدرسوا الإعلام في الأصل بل يحملون مؤهلات أخرى غير الإعلام والصحافة ويرفعون شعار أن الصحافة مهنة لا تحتاج لدراسة بل هي تعتمد على موهبة الشخص، يمكن الرد على هذه الفرضية بأن ثلثها صادق وأغلبها خطأ وكذبة..

الثلث الصادق فعلاً يوجد قلة قليلة جداً جداً يمكن أن لا تكون قد درست صحافة وتدخل عالم الصحافة وتنجح، ولكن الغالبية لا، وهذه القلة يكون لديها كثير جداً من الحظ والاجتهاد الشديد وأن تكون عملت على تطوير الذات، وأيضاً تكون من الجيل القديم نوعاً ما لأن علم الصحافة ومهنة الصحافة تطورت تطوراً شديداً وفعلاً تحتاج دراسة هذا العلم لكي يستطيع المرء المنافسة في عالم الصحافة سريع التغير والتطور، بدءاً من أن الصحافة كانت ورقية كان لها منهج وفلسفة معينة إلى أن أصبحت الصحافة إلكترونية ولها فلسفة ومنهجية جديدة مختلفة عن الآليات القديمة التي كانت تسيطر على العمل الصحفي، وهذه الآليات صعب الوصول لها إذا قام الشخص بدراسة علم الصحافة والإعلام.

صحفيين من اجل السبوبة

أما إذا تطرقنا إلى الجزء الباقي الذي ينطبق عليهم صحفيو السبوبة الذين جزء كبير منهم منتشر في معظم المؤسسات الصحفية والنقابة، هؤلاء دخلوا إلى عالم الصحافة والعمل الصحفي بالواسطة والمحسوبية التي تكون من داخل الوسط الصحفي، والشيء المضحك أن هؤلاء تجدهم اليوم أكثر تعصباً من تيسير شروط العضوية للنقابة لأبناء كليات الإعلام، وتجدهم في كل كتاباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو جروبات الصحفيين يرددون كالببغاء يجب تشديد شروط العضوية حتى لا تكون مهنة الصحافة مهنة من لا مهنة له،

ولكن في الحقيقة هم يخشون على أنفسهم من دخول كفاءات حقيقية إلى عالم الصحافة ويكونون هم خارج المشهد من بعد أن تعودوا على أن يسودوا المشهد، إن مشكلة مهنة الصحافة والصحفيين لن يتم حلها إلا بالآتي: وجود قانون وتشريع جديد ملزم لنقابة الصحفيين يلزمهم بأن جميع خريجي كليات الإعلام لهم حق أصيل وحصري بالقيد في نقابة الصحفيين دون أي شرط تعجيزي سواء أرادوا العمل داخل مؤسسة صحفية أو العمل الصحفي الحر.. أنا أعلم بأن هذا بعيد المنال ولكني أحلم بنقابة تسع الجميع.

By عبدالله الشرقي

صحفي مستقل ورئيس تحرير روائي 24 وحاصل على بكالوريوس في الاعلام قسم صحافة

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *